السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
336
مفاتيح الأصول
الشهيدان على الفاضلين والفاضلان على الشيخين والشيخان على من تقدمهما وقد جرت سنة الله في عباده وبلاده بتكامل العلوم والصنائع يوما فيوما بتلاحق الأفكار واتساع الأنظار وزيادة كل لاحق على سابقه إما بزيادة تتبعه وعثوره على ما لم يعثر عليه الأول ووقوفه على ما لم يقف عليه أو لأن أفكار الأوائل وأنظارهم هيأت له فكرا زائدا ونظرا صائبا فزاد عليهم بما أخذ عنهم أو لعناية ربانية ولطف مخصوص ساق إلى المتأخر زلفة وكرامة تختص وليس في شيء من ذلك ما يزدري بحال المتقدمين أو ينقص من جلالتهم أو يطعن فيهم ولنعم ما قال الشيخ الفقيه ابن إدريس طاب ثراه في خاتمة السرائر ولا ينبغي لمن استدرك على من سلف إلى بعض الأشياء أن يرى لنفسه الفضل عليهم لأنهم إنما زلوا حيث زلوا لأجل أنهم كدوا أفكارهم وشغلوا زمانهم في غيره ثم صاروا إلى الشيء الذي قد زلوا فيه بقلوب قد كلت ونفوس قد سئمت في أوقات ضيقة ومن يأتي بعد فقد استفاد ما استخرجوه ووقف على ما أظهروه من غير كد ولا كلفة وحصلت له بذلك رياضة واكتسب قوة فليس بعجب إذ صار إلى حيث زل فيه من تقدم وهو موفور القوى متسع الزمان لم يلحقه ملل ولا خامرة بكثرة الرجال واتصال الزمان وامتداد الآجال هذا كلامه وكما أن استدراك اللاحق على من سلف لا يوجب طعنا فيهم فكذا إهمالهم لما استدركه لا يوجب طعنا فيه ولا فيما سبق إليه ولو كان الاستدراك على السلف طعنا في الخلف لكان السالف أولى به لتقدمهم في ذلك وسبقهم إليه إذ ما من أحد منهم إلا وقد استدرك على من تقدمه بأشياء كثيرة أهملها المتقدم أو لم يشبع القول فيها وكثيرا ما يدعي أحدهم أن المسألة خالية عن النص ثم يأتي آخر فيها بنص أو نصوص معتبرة بل صحيحة من الكتب الأربعة فضلا عن غيرها والاستدراك بالنص على الشهيد الثاني رحمه الله كثير جدا واستقصاء المواضع التي اتفق له ذلك أو لغيره يفضي إلى التطويل انتهى الكلام في المرسل إذا قال العدل الذي يعتمد على روايته وتزكيته ولم يلق النبي صلى الله عليه وآله ولا أحدا من المعصومين وكان بينهم وبينه أزمنة كثيرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وقال أمير المؤمنين عليه السلام وحذف الواسطة المقطوع بوجودها فهل يكون هذا الخبر حجة فيجوز العمل به أو لا اختلفوا فيه على قولين الأول أنه حجة كالروايات المسندة وهو للآمدي في الإحكام والمحكي عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي ووالده اللذين من أصحابنا الإمامية وأبي حنيفة ومالك وأحمد وأبي هاشم وأتباعه من المعتزلة وأكثر المعتزلة بل حكي عن بعض جعله أقوى من المسند الثاني أنه ليس بحجة وهو للشيخ في العدة والعلامة في المبادي والتهذيب والنهاية والمنتهى والشهيدين في الذكرى والدراية والسيد عميد الدين في المنية والشيخ حسن في المعالم والمقدس الأردبيلي في مجمع الفائدة والمحقق الخوانساري في المشارق وولده جمال الدين والفاضل البهائي والحاجبي والعضدي والطوسي والبيضاوي والرازي والمحكي عن عيسى بن أبان والقاضي أبي بكر والشافعي بل عزاه في المنية إلى المحققين وفي بعض كتب العامة هو قول أكثر المحدثين وهو رواية عن أحمد للأولين وجوه منها ما تمسك به في الإحكام من أن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من العدل ثم ذكر روايات مرسلة وادعى أن الصحابة قبلوها ثم وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار واستشهد على ذلك ببعض الأخبار ثم قال ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب والشعبي وغيرهما ولم يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير فكان إجماعا انتهى وفيه نظر أما أولا فلأن الإجماعات التي حكمتها فضلاء العامة في المسائل الفقهية والأصولية ليست بحجة وإن قلنا بحجية الإجماع المنقول لا يقال هذا إنما يتجه لو كان الإيمان في الراوي شرطا ولم يكن الموثق حجة وأما على تقدير الحجية وعدم الشرطية فيلزم الحكم بالحجية لأنه حينئذ رواية موثقة لأنا نقول لا دليل لنا على حجية كل إجماع منقول بحيث يشمل محل البحث والذي دل على حجية الإجماع المنقول وهو أصالة حجية الظن وعدم القول بالفصل بين أصحابنا بين حجية خبر الواحد وحجية الإجماع المنقول غير موجود في محل البحث أما الأول فلأن الإجماع إنما يكون حجة عندنا باعتبار كشفه عن قول المعصوم عليه السلام فالناقل له إن كان إماميا ثقة حصل منه الظن بقوله عليه السلام وأما إذا لم يكن إماميا فلا يحصل ذلك كما لا يخفى فلم يكن حجة وأما الثاني فواضح وأما ثانيا فلأنه موهون بمصير معظم أصحابنا بل أكثر المسلمين إلى عدم قبول الرواية المفروضة بل يمكن دعوى شذوذ المخالف من أصحابنا وهو البرقيان وحصول الاتفاق على خلافه بعده فإنا لم نجد أحدا وافقه بل كل من وجدناه فهو مصرح بخلافه لا يقال إن الأخباريين يجعلونه حجة لأنا نقول لو سلمنا أنهم يجعلونه حجة فليس إلا لما ذهبوا إليه من قطعية أخبار الكتب الأربعة وهذا الحيثية عن حيثية محل البحث كما لا يخفى وبالجملة لا إشكال في أن الإجماع المنقول المذكور موهون بمصير معظم المسلمين إلى خلافه ولا إشكال في أن الظن الحاصل من قولهم أقوى من الظن الحاصل من هذا الإجماع المنقول لو كان مفيدا للظن وأما ثالثا فلأن هذا الإجماع رواية مرسلة لأن الآمدي لم يلق الصحابة والتابعين فالاعتماد عليه في هذه المسألة دور وأما رابعا فلأنه أخص من المدعى لاختصاصه بروايات خاصة والتتميم بعدم